سعيد عطية علي مطاوع

263

الاعجاز القصصي في القرآن

حُبًّا إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ " ( سورة يوسف : 30 - 31 ) . يشير تنكير " نسوة " - إذ لم يقل مثلا : وقال النسوة - إلي أنهن نسوة ذوات صفات معينة ليست لكل النساء ، هنا يقف التنكير عند مجرد الإشارة إلى أنهنّ من طبقة معينة ، أما نوع هذه الطبقة ، فإن السياق وحده هو الذي يكشف عنه في قوله : " فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً " فإن هذا الإعداد بما فيه من مآدب حافلة وما فيه من متكآت ووسائد ليّنة ، يدل علي أن المدعوّات من طبقة راقية ، ومن الطبعي أن يتسرب الخبر أولا إلى البيوت المماثلة عن طريق الخدم ، فالخبر بحروف الجر ( في ) " وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ " للإشارة إلي أن هذا القول قد قيل في المدينة وليس ضروريا أنهن جميعا نساء من المدينة فقد يكنّ أخلاطا من المدينة ومن غيرها ، كما أشرنا من قبل ، والتعبير القرآني على كل حال محتمل لهذا وذاك فهو يتسع لعدة معان محتملة غير متدافقة ، وهذا من الإعجاز . والقرآن لم يسمّ امرأة العزيز ، وإنما قال تارة " وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ " فذكرها باسم الموصول وصلته " الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها " ليشير إلى مدى هذه المراودة ونوعها وظروفها ، فإنها واقعة من سيدة البيت علي فتاها أي عبدها وفي بيتها ، فهر مراودة ملحّة مسيطرة محاصرة لا يفلت منها في هذه الظروف إلا مثل يوسف عليه السلام . وفي المرة الثانية عبر عن هذه المرأة بقوله " امرأة العزيز " وذلك في الكلام المحكي عن النسوة " وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ " فلم تسمّ النسوة هذه المرأة باسمها ، وإنما أضفنها إلي العزيز لمزيد من التعجب من أمرها وإشارة إلي أن كونها امرأة العزيز كان ينبغي أن يجعلها تتسامي وتتصوّن ولا تنزل إلي هذا الدرك ، إن هذه الإضافة توحي بالتندر وإشباع الرغبة النسائية في أن ينتشر الخبر .